٥٨✺فقد أرسله مرةً في مهمةٍ إلى
جستنيان ملك الروم،فلما وفد عليه
واستمع إليه, أُخذ بذكائه، ودهش
من دهائه، وأُعجِب بسعة اطلاعه،
وقوة بيانه، فاستبقاه عنده أياماً
كثيرة على غير عادته مع السفراء،
٥٩✺فلما ألحَّ عليه بأن يأذن له
بالعودة إلى دمشق سأله الملك
الرومي: أمن أهل بيت الملك أنت؟
قال: لا، إنما أنا رجلٌ من جملة
المسلمين،
٦٠✺فلما أذن له بالرحيل, قال له:
إذا رجعت إلى صاحبك - يعني عبد
الملك بن مروان - وأبلغته جميع ما
يريد معرفته،فادفع إليه هذه
الرُقعة، -أعطاه كتابًا مختومًا- .
٦١✺ فلما عاد الشعبي إلى دمشق,
بادر إلى لقاء عبد الملك، وأفضى
إليه بكل ما رآه وسمعه،وأجابه عن
جميع ما سأل عنه،
٦٢✺ولما نهض لينصرف, قال:
يا أمير المؤمنين, إن ملك الروم
حمَّلني لك هذه الرُقعة، ودفعها إليه
وانصرف،
٦٣✺فلما قرأها عبد الملك, قال
لغلمانه: ردوه عليَّ، فردوه، فقال له:
أعلمت ما في هذه الرقعة؟ قال: لا
يا أمير المؤمنين,
٦٤✺فقال عبد الملك: لقد كتب إليَّ
ملك الروم, يقول: عجبت للعرب
كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا
الفتى؟!
٦٥✺فبادره الشعبي قائلاً: إنما قال
هذا: لأنه لم يرك، ولو رآك يا أمير
المؤمنين لما قاله,
٦٦✺فقال عبد الملك:أفتدري لمَ
كتب إلي ملك الروم هذا؟ قال له:
لا،قال عبد الملك: إنما كتب إليَّ
بذلك,لأنه حسدني عليك،فأراد أن
يغريني بقتلك,والتخلُّص منك,
فبلغ ذلك ملك الروم,فقال:لله أبوه،
واللهِ ما أردت غير ذلك) .
٦٧✺الحقيقة أنّ الإنسان إذا وفَّقه
اللهُ,فإنه يوفِّقه لاتخاذ أعوان
مخلصين،أصحاب فطانة،يحسنون
التصرُّف،
📚سيرة التابعين للشيخ النابلسي
🍃🌸ـــــــஜ
11:07
🌷∫∫التابعي عامر بن شراحبيل(الشَعبي)∫∫
《 الــحــلقـ٤ــة و #الأخيرة 》
💎المنزلة الذي توصل إليها عامر
في العلم :
٦٨✺ لقد بلغ الشعبي في العلم
منزلةً جعلته رابع ثلاثةٍ في عصره،
فقد كان الزهري يقول: (العلماء
أربعة؛سعيد بن المسيِّب في المدينة
وعامر الشعبي في الكوفة،والحسن
البصري في البصرة، ومكحولٌ في
الشام)
٦٩✺لكن الشعبي كان بتواضعه
يخجل إذا ألبَسه أحد لقب العالِم،
فقد خاطبه أحدهم قائلاً: (أجبني
أيها الفقيه العالِم، قال: ويحك لا
تُطْرِنَا بما ليس فينا، الفقيهُ من
تورَّع عن محارم الله، والعالِمُ من
خشيَ الله، وأين نحن من ذلك؟) .
٧٠✺في اللحظة التي تتوهَّم أنك
عالِم,فأنت جاهل،فإذا تكلم الإنسانُ
عن نفسه, فليقل: أنا طالب علم،
أرجو من الله التوفيق .
💎انظر إلى أدب عامر إلى من
هو أكبر منه في العلم :
٧١✺مرَّة سأله شخص عن مسألة
فأجاب، فقال: (قال فيها عمر بن
الخطاب كذا، وقال فيها: علي بن
أبي طالب كذا، فقال له السائل:
وأنت ماذا تقول يا أبا عمرو؟
٧٢✺فابتسم في استحياء، وقال:
وما تصنع بقولي بعد أن سمعت
مقالة عمر وعلي؟من أنا حتى يعتدَّ
برأيي ؟!) .
٧٣✺ وسيدنا الشافعي له كلمة
رائعة أنه قال: (إذا وجدتم الحديث
الصحيح يخالف قولي, فاضربوا
بقولي عُرض الحائط)
٧٤✺ لو فرضنا أنّ للشافعي رأيًا،
وعثرت على حديثٍ صحيح خلاف
كلام الشافعي، فالشافعي نفسه قال
لك:(اضرب بكلامي عرض الحائط)
💎الصفات التي كان يتحلى بها
عامر :
٧٥✺كان الشعبي يكره المراء،
ويتصاون عن الخوض فيما لا
يعنيه، فقدْ كلَّمه أحد أصحابه ذات
يومٍ, فقال:
٧٦✺يا أبا عمرو،فقال:لبيك، قال:
ماذا تقول فيما يتكلَّم فيه الناس
من أمر هذين الرجلين؟ قال: أي
الرجلين تعني؟ قال: عثمان وعلي،
٧٧✺قال: إني –والله- لفي غنىً
عن أن أجيء يوم القيامة خصيماً
لعثمان بن عفَّان، أو لعلي بن أبي
طالب رضي الله عنهما جميعاً
٧٨✺مَن أنا حتى أكون حكمًا بينهما
أنا غني عن أن أكون خصمًا لأحد
هذين الصحابيين الكبيرين، والنبي
قال:(إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا)
٧٩✺ولقد جمع الشعبي إلى العلم
الحلم، فقد روي أن رجلاً شتمه
أقبح الشتم، وأسمعه أقذع الكلام،
فلم يزِدْ عن أن قال له:(إن كنت
صادقاً فيما تقول: فغفر اللهُ لي،
وإن كنت غير صادق, فغفر اللهُ
لك) انتهى الأمر .
٨٠✺ لم يكن الشعبي على جلالة
قدره،وجذالة فضله,يأنف أن يأخذ
المعرفة،أو يتلقَّى الحكمة مِن أهونِ
الناس شأناً،
٨١✺فلقد دَأَبَ أعرابيٌ على حضور
مجالسه،غير أنه كان يلوذ بالصمت
دائماً،فقال له الشعبي مرةً:ألاتتكلَّم؟
٨٢✺فقال:(اسكت فأسلم،واسمع
فأعلم،وإن حظ المرء من أذنه,يعود
عليه،أما حظه من لسانه,فيعودعلى
غيره،فظل الشعبي يردِّد كلمة
الأعرابي ما امتدَّت به الحياة)
والمؤمن الصادق، لا يأنف أن يأخذ
الحكمة مِن أي إنسان .
٨٣✺أوتي الشعبي من بلاغة الكلام
وحسن التصرُّف ما لم يؤتَهُ إلاالقلةُ
النادرة من الفصحاء،
٨٤✺فقد كلَّم مرةً أمير العراقَيْن
عمرَ بن هبيرة الفزاري في جماعةٍ
حبسهم، فقال:(أيها الأمير:إن كنت
حبستهم بالباطل,فالحق يخرجهم،
وإن كنت حبستهم بالحق, فالعفو
يسعه) .
٨٥✺هناك آية قرآنيَّة تحل ألف
مشكلة, قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
[سورة النحل الآية: 90]
٨٦✺فإذا لم تتوافق القضيَّة على
العدل, فإنَّ الإحسان يسعها،وإذا
كان معك الحق, وأنت منصف،
لكن الشخص يحتاج لإحسانك،
فلا تبخل به عليه .
٨٧✺ وعلى الرغم من مروءة
الشعبي، وعلو منزلته في الدين
والعلم،فقد كان عذب الروح،حلو
المفاكهة،لا يفوِّت الطُرفة إذا لاحت
له،روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة،
فإن القلوب إذا كلَّت عميت .
٨٨✺ دخل عليه رجل وهو جالسٌ
مع امرأته, فقال: (أيكما الشعبي؟
فقال: هذه) .
٨٩✺سأله مرة واحد: (مَن تكون
زوجة إبليس؟ قال له: واللهِ هذا
عرسٌ ما شهدته) .
٩٠✺ مرة قال: (والله ما حللتُ
حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه
الناس، ولا ضربتُ غلاماً لي قط،
وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ,
إلا قضيته عنه) .
💎كم هي الفترة التي عاش
فيها عامر في الدنيا ؟
٩١✺عُمِّر الشعبي حتى نيَّف
على الثمانين،
No comments:
Post a Comment
اكتب تعليق حول الموضوع